حيدر حب الله

103

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)

بل أكثر الروايات الواردة في الحثّ على الكتابة ترجع لعصر الإمام الصادق ومن بعده ، وهذا يشي بأنّ المرحلة لم تكن قد استقرّت بوصفها الأمر الشائع بين أصحاب الأئمّة فكانوا بحاجة للدعوة إليها وتكريسها . كما يشهد له - بنحو التأييد - ما رواه الكشي في مرسل يونس بن عبد الرحمن ، قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : « كان أبو الخطاب أحمق ، فكنت أحدّثه فكان لا يحفظ ، وكان يزيد من عنده » « 1 » . فلاحظ كيف أنّ الإمام ركّز على الحفظ ولم يُشر إلى أنّه لم يكن يدوّن ، فلو كان التدوين هو السائد لقال : ولم يكن يكتب فكان يزيد وينقص ، إلا إذا قيل بأنّ الحفظ أعمّ من التدوين والحفظ في الذاكرة . بل إنّ نصّاً للطوسي نفسه يدلّنا على أنّ أصحاب الأئمّة الكبار يتمّ التعامل معهم بوصفهم حفاظاً للحديث لا مدوّنين مباشرين له ، وأنّ هذا هو المرتكز في ذهن الطوسي نفسه ، حيث يقول : « وإذا كان أحد الراويين يروي الخبر بلفظه والآخر بمعناه ، يُنظر في حال الذي يرويه بالمعنى ، فإن كان ضابطاً عارفاً بذلك ، فلا ترجيح لأحدهما على الآخر ؛ لأنّه قد أبيح له الرواية بالمعنى واللفظ معاً ، فأيّهما كان أسهل عليه رواه . وإن كان الذي يروي الخبر بالمعنى لا يكون ضابطاً للمعنى ، أو يجوز أن يكون غالطاً فيه ، ينبغي أن يؤخذ بخبر من رواه اللفظ . وإذا كان أحد الراويين أعلم وأفقه وأضبط من الآخر ، فينبغي أن يقدّم خبره على خبر الآخر ويرجّح عليه ، ولأجل ذلك قدّمت الطائفة ما يرويه زرارة ، ومحمّد بن مسلم ، وبريد ، وأبو بصير ، والفضيل بن يسار ، ونظراؤهم من الحفّاظ الضابطين ، على رواية من ليس له تلك الحال » « 2 » . فلاحظ كيف أنّ الطوسي كان مركوزاً في ذهنه أنّ النقل ليس بالتدوين المباشر ، وإلا فلا فرق بين الضابط وغيره ، وبين الحافظ وغيره ، وبين الفقيه وغيره ، بل لو كان التدوين

--> ( 1 ) رجال الكشي 2 : 584 . ( 2 ) العدّة في أصول الفقه 1 : 152 - 153 .